أخذت مؤسسة «سند» للتطوير المستدام في المجتمع العربيّ على عاتقها إحداث تغيير مهم ليس فقط على المستوى الميداني والمؤسساتي، إنما أيضًا على مستوى الوعي والمفاهيم لدى أطياف المجتمع العربيّ، عبر ترسيخ المفاهيم الأساسية في عالم المبادرات الاجتماعية.
إن دور «سند»، وهي أول مؤسسة بنية تحتية تنظيمية في المجتمع العربي بالداخل متخصصة في تقديم حلول منهجية للمبادرات الاجتماعية، يسهم في التنمية المستدامة للمبادرات الاجتماعية، وتحسين جودة الحياة في المجتمع العربي، بالتعاون مع القطاعات الخاصة والاجتماعية والحكومية كافة، والتركيز على تعزيز المبادرات الاجتماعية على المستويات الفردية والجماعية والمؤسساتية.
نتناول في هذه المقالة مجموعة من المفاهيم التي رسَّختها المؤسسة، خصوصًا في السنوات الست الأخيرة من عملها في الحقل الاجتماعي وتطوير المبادرات الاجتماعيّة.
1. العمل الخيري الإستراتيجي من أجل تنمية اجتماعية مستدامة
يستند العمل الخيري الإستراتيجي على كيفية استدامة المؤسسات من خلال تطويرها وبناء مواردها وتأسيس نظام خاص بها بهدف تطوير عملها واستدامته استدامةً حقيقيّةً في الحقل الذي تعمل فيه، وهنا نتحدّث عن الحقل المجتمعي والمبادرة الاجتماعية تحديدًا، هذا العمل الخيري يؤثر بالضرورة على المؤسسة ويجعلها أقوى من جميع النواحي، إن كفريق عمل أو كبرامج ومشاريع وبالتالي يجعلها قادرة على التنمية الاجتماعية المستدامة.
يُقوِّي العمل الإستراتيجي منظومة العمل للمؤسسة، وهو ما عملت عليه «سند» في برامجها لتطوير البنى التحتيّة والمؤسساتية للمؤسسات والمبادرات الاجتماعية التي عملت معها، عبر تميكن الموارد بمختلف أشكالها المالية والمادية وقدرات العمل والتنظيم والإدارة والقيادة وجميع الأدوات والموارد العمليّة فيها، وهذا ينعكس على المدى البعيد انعكاسًا مهمًا يؤدي إلى استدامة عمل المؤسسة والاستمرار في توسيع نشاطتها وعملها المشترك والتنسيق مع كل الأطراف المهمة لتحقيق أهدافها.
2. زيادة الدعم المحلي والتبرعات لتعزيز المجتمع من الداخل
عملت «سند» على مفهوم الدعم المحلي بمعنى، تعزيز فهم المجتمع ليدعم نفسه بنفسه، وليس من التبرعات التي من صناديق أو مؤسسات أو سلطات محلية وغيرها، إنما عبر المساهمة من أفراد المجتمع، القطاع الخاص، التي تُبنى من تلقاء نفسها وليس من خلال الحثّ أو الطلب أو الضغط، بغض النظر عن حجم تلك التبرعات أو انتظامها.
تقوم فكرة التبرعات المحلية على شعور أفراد المجتمع ومكوّناته بضرورة التبرع الذاتي لمواجهة التحديات الكثيرة التي يواجهها، إن بالمساهمات المالية الصغيرة أو بأي شكل من أشكال التبرع والمساهمة، وهو ما ينعكس على تنمية المؤسسات الاجتماعية وتنمية العمل المجتمعي أيضًا.
ترى «سند» أهمية كبيرةً في التبرعات المحلية لكونها معتمدة على المجتمع نفسه، وليس على أي طرف خارجيّ، وهنا أيضًا يبرز دور رجال الأعمال والشركات الخاصة، حيث نرى بعض الشركات العربية التي أخذت دورًا مهمًّا في دعم جمعيات ومؤسسات مجتمعيّة، ليس من باب التبرع فقط إنما لكونهم أصبحوا قدوة ومثال حيّ يحفز الأفراد والمجتمع على التبرع وإدراك أهمية هذا الدعم في كل الحالات، وليس فقط في أوقات الطوارئ أو الأزمات أو الكوارث أو الاستغاثات الصحية.
تكمن أهميّة هذا التبرع أيضًا في أنه يشكل إطارًا مجتمعيًّا داعمًّا وراسخًا يقوّي حصانة المجتمع ومكوّناته الداخلية، ويعزز تماسكه وترابطه ماديًّا من خلال التبرعات الذاتية المستمرة غير القائمة على حدث أو طارئ، وهو ما ينعكس على دور الجمعيات والمؤسسات المجتمعيّة في مواجهة التحديات بسلاسة.
3. بناء نظام بيئي حول المبادرات الاجتماعية في المجتمع العربي
بناء النظام البيئي الخاص بالمبادرة الاجتماعيّة في مجتمعنا العربيّ يعني وجود جمعيّات ومؤسسات مجتمعيّة فعالة ومؤثّرة تتعاون فيما بينها في الحقل الاجتماعي وصولًا إلى عمل مشترك يؤدي بالضرورة إلى جدوى اجتماعيّة عالية، ما يعني تنمية بيئة فاعلة تستطيع المبادرة الاجتماعية في المجتمع العربي من خلالها أن تنمو وتتقدّم تقدمًا واضحًا ومؤثرًا ينعكس على التطوير المجتمعي ككل.
تعمل «سند» على ترسيخ هذا المفهوم لدى كل القطاعات، العامة والخاصة، والسلطات المحلية والمرافق والمؤسسات ورجال الأعمال والشركات العربية والمجموعات الجماهيرية، وهو عمل يتطلّب من المجتمع نفسه، أفراده، حركاته الشبابيّة، الصناديق الداعمة، الفئات المختلفة، لتأسيس نظامها الخاص الذي يؤدي تكامله إلى بناء نظام بيئي متكامل يُطوّر المبادرة الاجتماعيّة في المجتمع العربي.
هذا النظام يؤدي بالضرورة إلى زيادة التنسيق والتعاون بين كل المؤسسات والجهات العاملة في موضوع المبادرة الاجتماعيّة، ما يعني تشجيع العمل فيها من كل أطياف المجتمع أفرادًا وجماعات ومؤسسات وغيرها، ومثال ذلك: عندما تخرج مبادرة شبابيّة جديدة تجد دعمًا وبيئة حاضنة لها، فإنها ستنجح وستتطوّر وستؤدي رسالتها ودورها، وستجد الكثير من الدعم والشبيبة الذين يتطوّعون فيها ويشاركون في إنجاحها ويساهمون في دعمها، فلولا وجود هذه البيئة لن تستطيع هذه المبادرات المضي قدمًا..
4. تعزيز المؤسسات وتنمية القدرات وترسيخ التعاون من أجل إحداث تأثير جمعي
قدّمت «سند» توجُّهًا جديدًا بخلاف التوجه السائد في المجتمع، قائم على أن النجاح الفرديّ لا يكفي، وأن نجاح المجتمع يجب أن يكون نجاحًا جمعيًّا مشتركًا، يدعم من خلال الأفراد والجماعات بعضهم بعضًا، لإحدات التأثير الجمعي والفعلي والتغيير المنشود في تطوير المجتمع وتحسين جودة حياته.
عملت المؤسسة بهذا التوجه على الخروج من فكرة النجاح الفردي عبر تعزيز دور المبادرات الاجتماعيّة والشبيبة، وهو ما يعني النجاح المشترك لكل أفراد هذه الفرق التي تتكوّن منها المبادرات، نجاحٌ يرسخّ التعاون ويبني الشراكات ويزيد الثقة ويبني أسسًا متينةً لعلاقات شخصية ومؤسسيّة ومجتمعيّة طويلة الأمد.
هذه الشراكات تعني عمليًّا النجاح الجمعي المشترك، وتنعكس انعكاسًا فاعلًا في ثقة الفرد والمؤسسة والمجتمع ببعضه بعضًا، لأن هذا التكامل هو الذي يؤدي إلى النجاح، ويصب في المصلحة العامة التي تؤيد إلى التغيير، كما ينعكس على شكل التعاون والمشاركة والشراكات بعيدة الأمد التي تُحسِّن المجتمع وتطوره داخليًّا وخارجيًّا، وتُحسِّن بنيته تحسُّنًا مستدامًا يؤدي تدريجيًّا إلى نجاحات تنعكس على الفرد والمجتمع معًا.